البعكوكة 25
البعكوكة موقع الابتسامة و المقاومة و الفكاهة

محاسبة الأسد.. من جرائم الحرب إلى الفصل السابع

0 3

bnibnuhw vuyfgebh 833تقدم هذه الدراسة التي أعدها الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي العام في الجامعات المصرية والاستاذ الفخري بالمعهد الدولي لحقوق الإنسان بديبول الولايات المتحدة، قراءة استكشافية حول محاسبة بشار الأسد على الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها ضد شعبه الأعزل، والآليات الممكنة في مبادئ القانون الدولي والشرعة الدولية، وكذلك العوائق التي يروجها بعض مؤيديه في هذا السياق، ومدى إمكانية التطبيق.

أثارت الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان التي يمارسها النظام السوري بقيادة الرئيس السوري بشار الأسد بحق المدنيين الأبرياء العزل منذ العام الماضي استهجان الكافة من أصحاب الضمير الإنساني في سائر أرجاء المعمورة، ليس فقط لطبيعة هذه الانتهاكات ونوعيتها وضحاياها ونطاقها في سائر أرجاء الإقليم السوري، ولكن من ناحية أخرى بسبب نكوص المجتمع الدولي عن الاضطلاع بمسؤولياته الدولية القانونية في حماية المدنيين الأبرياء العزل في سوريا.

لقد وثقت العديد الهيئات الدولية حكومية كانت أم غير حكومية العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية المدعى ارتكابها في سوريا منذ انتفاض ثورتها الحرة الابية، وذلك انتظارا لليوم الذي تقع فيه الواقعة، ويحاكم الرئيس بشار الأسد ومعاونيه، جراء ارتكاب هذه الجرائم ليس بحق الشعب السوري وحسب، بل الانسانية جمعاء.

الآليات القضائية المتاحة لملاحقة الرئيس السوري بشار الأسد:
لا تقتصر آليات ملاحقة الرئيس السوري بشار الأسد وزمرة معاونيه نظير ما ارتكبوه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مدعاة ضد المدنيين الأبرياء العزل في سوريا على آلية واحدة بل ثمة آليات عديدة نذكر منها ما يلي:

أولا.. بعد السقوط.. مقاضاة أمام القضاء الوطني السوري:
تبقى المحاكم الجنائية الوطنية هي حجر الزاوية بالنسبة للمحاكمة على الجرائم الدولية. ولا تبرز هذه الحقيقة سوى من خلال مبدأ التكامل الذي يوجد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يشير في معظم الأحوال إلى الجهود الوطنية، ويعتمد بقوة على الأنظمة والسلطات الوطنية للتعاون القضائى. وما يبرز أيضًا أهمية المحاكم الوطنية هو المستوى الذي تبلغه، حيث إن المحاكم الدولية تركز في الواقع فقط على صناع القرار وواضعي السياسات في قمة هرم السلطة. يجب أن تشمل المحاكمات الوطنية جميع الأشخاص الذين ارتكبوا أفعالاً جنائية.

فالقضاء الوطني السوري هو القضاء ذو الولاية القضائية الجنائية والمختص بملاحقة الرئيس السوري بشار الأسد وذلك لارتكابه جرائم دولية غير وطنية يستحيل عليه الدفع بصفته الرسمية لكونه رئيسا للدولة، ومن ثم تمتنع مسئوليته الجنائية وفقا لذلك الزعم، فضلا عن ولاية القضاء الوطني السوري بمقاضاة كل المساهمين جنائيا في ارتكاب هذه الجرائم نهاية بأدني المراتب و الدرجات العسكرية و المدنية .

إن الزعم بملاحقة بشار الأسد بواسطة القضاء الوطني السوري لا يمكن تحققه إلا بسقوط النظام السورى، بيد أن الأمر يصعب أيضا فى ظل عجز التشريعات الجنائية الوطنية السورية عن ملاحقة مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حيث لم تعرف أو تضمن هذه الجرائم ضمن التشريعات الوطنية السورية ، فضلا عن أن هذه التشريعات لا تعرف مبدأ المسئولية القيادية سواء لرئيس الدولة أو للقادة والرؤساء سواء العسكريين أم المدنيين الذين يسهمون جنائيا في ارتكاب الجرائم الدولية بأى صورة من صور المساهمة الجنائية.

وتأسيسا أيضا على أن القضاء الوطنى السوري قد يفتقر إلى الكوادر القضائية والفنية القادرة على إنفاذ قواعد المقاضاة ضد مرتكبى الجرائم الدولية، فإننا نعتقد بوجوب استعانة الهيئات القضائية السورية بالخبرات والكوادر والكفاءات الدولية، وذلك لسعفها فى هذا المجال، وهذا ما تحقق فى العراق حين قامت السلطات العراقية بمحاكمة الرئيس العراقى السابق صدام حسين، وواجهت ذات المأزق القانونى والمتمثل فى انعدام التشريعات الجنائية الوطنية التى تعرف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، فاستعانت الحكومة العراقية بخبراء أمريكيين وغيرهم من خارج العراق، وذلك لمساعدة السلطات القضائية العراقية فى إجراء محاكمة صدام حسين وزمرة من معاونيه ومستشاريه لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وتحديدا جرائم قرية “الدجيل” عام 1982.

ثانيا.. مقاضاة بشار الأسد أمام المحكمة الجنائية الدولية:
نظرا لأن الدولة السورية ليست دولة طرف فى النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، ومن ثم فإن اختصاص المحكمة الولائى بملاحقة الرئيس السورى بشار الأسد وزمرة معاونيه لا ينعقد إلا فى حالة إحالة مجلس الأمن الحالة فى سوريا إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية وذلك بموجب المادة (13) من النظام الأساسى لنظام المحكمة، وبشرط أن يصدر قرار الإحالة بموجب الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، وبعد أن يكون مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة قد كيّف أن الحالة فى سوريا تهدد السلم والأمن الدوليين.

إن هذا المقتضى القانونى هو الذى تم إعماله العام الماضى 2011 بشأن الحالة الليبية حين اتخذ مجلس الأمن القرار رقم (1973) فى مارس 2011 وذلك بإحالة الحالة فى ليبيا إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية.

ووفقا للمتغيرات والتطورات الحاصلة، سواء فى الميدان السورى وبين القوى الدولية أيضا قد يكون مستبعدا أن يصدر قرار من مجلس الأمن بإحالة الحالة فى سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث أبدت روسيا الاتحادية تأييدا منقطع النظير لإيقاف أى قرار يتخذ من مجلس الأمن ضد سوريا وبموجب الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة بشأن الحالة أو الموقف في سوريا .

ثالثا.. ملاحقة بشار الأسد بموجب الاختصاص القضائي العالمي:
تظهر أهمية هذا المبدأ فى تطور القانونى الجنائى الوطنى نحو حماية المجتمع الدولى من الجرائم التى لا يقتصر خطرها على الدولة التى وقعت فيها فحسب، بل يتعدها إلى غيرها من الدول، وتحقيق التعاون فيما بين الدول فى مكافحة الإجرام ومنع فرار الجناة من العقاب بانتقالهم من بلد لآخر عقب ارتكابهم للجريمة، ويتحقق ذلك بأن تتولى الدولة التى تعتقل المتهم وتوقع العقاب عليه نيابة عن المجتمع الدولى.

إن مبدأ الاقتصاص القضائى العالمى يسمح للقانون الجنائى الوطنى فى أن يدعم القيم الدولية، حيث إن حماية تلك القيم يعد مصلحة لكل أعضاء الجماعة الدولية، وهذا يعنى استحالة لجوء أو هرب الرئيس بشار الأسد إلى أية دولة من دول العالم تعمل ذلك المبدأ، حيث لا عبرة بجنسية مرتكبى الجريمة الدولية -الرئيس بشار الأسد- ولا عبرة أيضا بجنسية الضحايا، ولا الإقليم -سوريا- الذى وقعت عليه الجرائم.

لقد أعملت العديد من الدول الاوربية و غير الاوربية هذا المبدأ في ملاحقة العديد من الرؤساء و القادة الذين ثبت ارتكابهم الجرائم الاساسية للقانون الدولي ، و عد القادة الاسرائيليين الاكبر عددا في الملاحقة القضائية بموجب ذلك المبدأ القضائي المهم ، و الذي لا تعتنقه و للأسف ثمة دولة عربية واحدة في تشريعاتها الوطنية .

الدفع بالصفة الرسمية للرؤساء:
لقرون مضت من الدهر كانت أنظمة الطغيان تنتهك حقوق الإنسان بشكل صارخ، ومنها حقه فى الحياة، حيث كانت هناك حفنة من المسئولين من كل دولة أو نظام تقود تلك الممارسات، وكان هؤلاء المسئولين الحكوميين يتصرفون محصنين بصفتهم هذه، ولم يفتح الباب إلا متأخرا لمحاكمة هؤلاء المسئولين عن تلك الجرائم التي تنتهك حقوق الإنسان، وكان السياق التاريخي يجسد فكرة تحصن هؤلاء المسئولين الحكوميين بالقانون الداخلي حين يقومون بتنفيذ أوامر الحكومة.

انطبق ذلك على هؤلاء الذين نفذوا سياسات ستالين، هتلر، ماوتسى تونج، وبول بوت، و فرانكو ، و غيرهم من الطغاة ، حيث قام المسئولون الحكوميون بتنفيذ أوامر هؤلاء الطغاة وارتكاب مذابح جماعية طالت المعارضين السياسيين لتلك الأنظمة المستبدة.

إن الدفع بالصفة الرسمية للرؤساء والقادة كان -ولا يزال- أحد أهم الدفوع التى يحاول كبار المجرمين الدوليين أن يدفعوا بها أمام المحاكم الدولية، وذلك لنفى مسئوليتهم عن ارتكاب الجرائم الدولية، وإفلاتهم من العقاب.

إن المسئولية الجنائية تسند لرئيس الدولة الذى يعتبر فى قمة التنظيم السياسى للدولة، ومسئولية رئيس الدولة أو الحكومة تبنى على أساس وضعه الوظيفى الذى يمكنه -دون غيره- من ممارسة السيطرة، والأمر بارتكاب بعض الجرائم التى تتسم بخطورة جسيمة تصل إلى حد الإبادة لشعب بأكمله أو لمدينة قائمة على طريق قواته المسلحة، فهو قرار دولة مجتمعة ورئيس الدولة أو الحكومة هو ممثلها لأن بيده زمام الأمور.

طلى أن معظم الدساتير -ومنها الدستور السورى- تنص على أن رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالى فإن تسيير العمليات الحربية وخاصة اتخاذ القرارات العسكرية الاستراتيجية تكون بيد رئيس الدولة بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومن ثم فإن ذلك الرئيس الذى أمر بارتكاب جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية لا يستطيع أن يفلت من مسئولية الجنائية الدولية حين يرتكب هذه الجرائم.

لقد درجت كافة المحاكم الجنائية الدولية منذ نورمبرج وحتى الآن على رفض الدفع بصفة رسمية لرئيس الدولة بحسبانها تبيح له ارتكاب الجريمة الدولية أو تمنع المسئولية الجنائية الدولية عنه، أو تخفف عنه العقاب.

إن الرئيس السورى بشار الأسد لم يعتبر من كافة الدروس السابقة ولم يفطن إلى احتمالية تكرار هذه الدروس القاسية المريرة على الشعوب قبل حكامها من الطغاة، ولم يعبأ أيضا مستشاروه ومساعدوه بالمطالبات الدولية الحكومية وغير الحكومية بضرورة الملاحقة الجنائية الدولية للرئيس بشار الأسد وزمرة معاونيه ومساعديه.

التجربة اليمنية عصية التطبيق في سوريا:
لقد أثارت الصفقة السياسية غير القانونية العام الماضى فى اليمن والتى تنحى بمقتضاها الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح عن السلطة، المخاوف والشك من تكرار هذه المقامرة والتضحية بحقوق ضحايا الجرائم ضد الإنسانية فى سوريا.

لقد تواترت الأنباء منذ بداية العام الحالى 2012، أن الإدارة الأمريكية تخطط لتكرار ذات السيناريو التى نفذته فى اليمن وذلك بتخلى بشار الأسد عن السلطة أو رحيله عن البلاد إلى روسيا الاتحادية، أو إيران، بما يمثله ذلك من امتهان لحقوق الضحايا، وإنكار واجب المجتمع الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة فى التدخل لحماية الضحايا المدنيين العزل فى سوريا، فضلا عن واجب التدخل أيضا لمحاكمة بشار الأسد وزمردته من مرتكبى الجرائم المدعاة فى سوريا.

فالقانون الغريب الذى يمنح العفو للرئيس على عبد الله صالح ومساعديه ينتهك التزامات اليمن تجاه القانون الدولى. ويوفر القانون حصانة شاملة من الملاحقة القضائية محليًا بسبب أى جرائم دولية خطيرة من قبيل الهجمات القاتلة التى استهدفت المتظاهرين السلميين فى عام 2011.

القانون الذى فعّله البرلمان اليمني فى 21 يناير 2012 يمنح حصانة كاملة لصالح من أى ملاحقات قضائية على مدار فترة حكمه التى استمرت 33 عاماً. كما أنه يحمى أعوان صالح من الملاحقة القضائية على “الجرائم السياسية” طالما ليست أعمال إرهابية.

ويرسل هذا القانون رسالة مؤسفة مفادها أنه لا عواقب ستواجه المتورطين فى عمليات قتل جماعى للمعارضين لنظام صالح. فالحكومة اليمنية عليها التزام دوليا بالتحقيق مع كبار المسئولين المتورطين فى جرائم جسيمة وليس مساعدتهم على الإفلات من مسؤولية القتل.

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة راعية ذلك الاتفاق غير الأخلاقى أو الإنسانى والذى توسط لإنفاذه مجلس التعاون الخليجي، ووقّع عليه على عبدالله صالح فى نوفمبر 2011.

ومن أسف، تنص إحدى مواد القانون على أنه لا يمكن إلغاء القانون أو الطعن فيه، مما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب ويحصن الرئيس اليمنى السابق “صالح” ومعاونيه من الملاحقة الجنائية أمام المحاكم الوطنية اليمنية.

إن العفو من العقاب على ارتكاب الجرائم الدولية والانتهاكات الممنهجة الجسيمة لحقوق الإنسان الأساسية يعد خيانة للتضامن الإنسانى اللازم مع ضحايا النزاعات المسلحة سواء الدولية أو الوطنية، الذين ندين لهم بواجب إعمال العدالة والتذكر والجبر بمختلف أشكاله، فالعفو يتناقض مع فكرة الحيدة والنزاهة والمصداقية المتطلبة للإنصاف الضحايا وتعويضهم وردع الجناة الطغاة العتاة مرتكبى الجرائم بحق الإنسانية، فضلا عن أن العفو يجسد ويرسخ ظاهرة الإفلات من العقاب، والتى تفشت فى المنطقة العربية بشكل ملحوظ.

لحن القول لا يفيد وحساب الغد شديد:
صدم الرئيس السورى بشار الأسد كل من تابع حديثه مع إحدى الفضائيات الامريكية العام الماضى، وهو ينكر كعادة الطغاة المستبدين، فى مراوغة ممجوجة، مسئوليته عن الجرائم المدعى ارتكابها فى سائر أرجاء القطر السورى ، حين قال حرفيا “أنا لا أملك القوات المسلحة، وكل الجرائم التى ارتكبها الجيش حدثت نتيجة أخطاء، وأننى لم أصدر أمرا واحدا بالقتل والتعذيب وغيرها من أوامر مخالفة للقانون”.

ويبدو أن الطغاة العتاة مرتكبى الجرائم الدولية، لا يختلفون باختلاف أجناسهم أو أوطانهم، فالعبارات التى أدلى بها الرئيس السورى هى ذات العبارات التى أدلى بها ديكتاتور شيلى السابق “بينوشيه” منذ عقد من الزمان لوسائل الاعلام الشيلية ، فى محاولة بائسة يائسة، لإنكار الحقيقة والتنصل من المسئولية عن التخطيط والاشتراك فى الجريمة المعروفة فى التاريخ الاسود لشيلى بـ “قافلة الموت”، تلك القافلة التى كلفها الديكتاتور “بينوشيه” بحصد أرواح الأبرياء المدنيين الذين عارضوا الحكم السلطوى المستبد لطاغ ظالم مستبد دون التاريخ سجله الدامى بمداد أسود.

فقافلة الموت هذه، كانت إحدى الوحدات العسكرية التى جابت كل أقاليم الدولة فى شيلى, من أجل تعقب وقتل ما يزيد عن سبعين معارضا يساريا دون أن تجرى لهم أية محاكمات قانونية, ، وحين مثل الطاغية “بينوشيه” أمام المحكمة الشيلية عام 2000، التى وجهت إليه تهمتى ارتكاب جريمة القتل الجماعى والاختفاء القسري ، قال بينوشيه : (أنا لم أمر بالقتل أبدا, لم أعذب أحدا, الأمر الوحيد الذى قمت به هو أننى تحملت مسؤوليتى كاملة بأفضل شكل ممكن من أجل خدمة بلدى).

وبالعودة لرئيسنا العربى، لوجدناه يردد ذات العبارات -خدمت بلدى بأفضل ما يمكن- التى لا تنطلى إلا على زبانية الطغاة من حاشيتهم، الذين يقدمون أرواح شعوبهم قرابين رخيصة لفراعينهم المستبدين، ويجعلون من ضحاياهم حطبا ووقودا لشعلة القتل المتقدة المتأججة فى نفوس هؤلاء الحكام غير الآدميين، فهل هى مصادفة تاريخية أن يردد “الأسد” عبارات الذئب “بينوشيه”، أم أن هناك أيضا ثمة توافق غريزى إجرامى يجمع طغاة تونس، ومصر, وليبيا، واليمن ، و سوريا يجعلهم يرددون ذات العبارة ، محاولين أن يسدوا أنوف شعوبهم المتطلعة الى الحرية، والطامحة الى العدالة، من أن تستنشق أريج الربيع العربى الذكي.

إن من الثابت دوليا, أن رئيس الدولة هو العضو الأسمى للتعبير عن إرادة دولته, والمفاوض الأول الذى يملك سلطة تمثيل دولته والتفاوض باسمها دوليا, وداخليا تنص دساتير الدول على أن رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة, فضلا عن أنه الذى يعلن الحرب, فالحكام والقادة يشكلون كبار ممثليها ومسئوليها, ولا ينطلق العمل ولا يتم البدء فيه إلا بانطلاق شرارة الأمر الذى لولا صدوره ما حدث ذلك الأمر, ومن ثم لم ترتكب الجرائم الدولية إلا بأوامر رئاسية فوقية من هؤلاء الطغاة العتاة, وهذه الأوامر تجعل من الحكام ذى مسئولية مباشرة عن هذه الجرائم، ومن ثم لا تعد القوات المسلحة، وغيرها من قوات إلا أدوات مطيعة لذلك الحاكم المستبد, وفى هذه الحالة تقرر قواعد المسئولية مسائلة الحاكم المصدر لهذه الأوامر سواء كانت مكتوبة أو شفوية, وسواء صدرت الاوامر للقادة الادنى للرئيس مباشرة مثل وزير الدفاع، أو وزير الداخلية، أو قادة القوات المسلحة أو الشرطة, طالما ثبت التسلسل القيادى لهؤلاء المرؤوسين تجاه قائدهم الأعلى.

وتدليلا على الحالة السورية, نجد أن الدستور السورى الصادر عام 1973 ينص على: “رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش, وهو رئيس مجلس الدفاع الوطنى, ويعلن الحرب بعد استشارة مجلس الدفاع الوطنى وموافقة مجلس النواب”. كما أطلق الدستور السورى فى مادته رقم (91) حصانة الرئيس وذلك حين نصت المادة على: “لا يكون رئيس الجمهورية مسئولا عن الأعمال التى يقوم بها فى مباشرة أعماله إلا فى حالة الخيانة العظمى” ومن ثم تبين السلطة المطلقة بصورها المختلفة, والتى لا تحدها حدود للرئيس السورى, ما جعل مستشارى الرئيس السورى يصورون له: ان دستورهم الداخلى يسمو على القواعد الدولية الراسخة منذ عام 1945 والتى قررتها محكمة “نورمبرج”، وصادقت بالإجماع على المبادئ التى أتت بها هذه المحاكمات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى عام 1950, وأهم هذه المبادئ “لا يجوز الدفع بالصفة الرسمية للرؤساء حال ارتكابهم الجرائم الدولية “.

“الفصل السابع” إنفاذ في ليبيا وإنكار في سوريا:
لقد تفردت الحالة الليبية عن دونها من حالات التدخل الانسانى كافة، بالاستناد قولا وعملا للواجب فى الحماية، واستظلت قوات التحالف الدولى ومن بعدها قوات حلف شمال الاطلسى بالقرارين الشهيرين 1970، و1973 اللذين صدرا عن مجلس الامن فى مارس من العام 2011، كمصوغين شرعيين لحماية المدنيين العزل فى ليبيا، بل أن كافة الفقهاء والشراح ، أجمعوا على أن الحالة الليبية تعد السابقة الاولى النموذج ، لإنفاذ هذا المبدأ على الارض.

وإذا كان الكثر أيضا من الفقهاء والشراح ، قد أجمعوا على أن التدخل العسكرى الانسانى فى كردستان العراق فى عام 1991، لحماية المواطنين الاكراد العزل من بطش الالة العسكرية لنظام صدام حسين فى بغداد، وأيضا التدخل العسكرى الانسانى لحماية الالبان الكوزوفيين فى كوزوفو فى عام 1999، من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، التى كان يرتكبها نظلم سلوبودان ميلوسوفيتش فى بلجراد، يعدا تطبيقا أيضا لذات المبدأ، بيد أن الامانة فى القول تقتضى الاقرار بأن المبدأ المشار اليه -الواجب فى الحماية الانسانية- لم يكن قد ابتدع فى أروقة الامم المتحدة.

جلى أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان فى سورية تستدعى التدخل الإنسانى فى هذا البلد، وكذلك توافر مسوغاته الشرعية بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، ، إلا أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية دوما ما يعلي و يعظم اعتبارات المصالح علي مقتضيات العدالة و أسس المنفعة علي المبادئ الانسانية و الاخلاقية ، فالإدارة الامريكية لم تنتظر أو تعبأ بأي قرار يصدر من مجلس الامن في الحالة الكوزوفية عام 1999 ، و الحالة العراقية عام 2003 ، و حققت مصالحها الذاتية دون النظر لاية اعتبارات أخرى.

يتعين أيضا وفى ذات السياق، الإقرار بأن تركيبة وآلية عمل مجلس الأمن استمرت على الدوام تعكس ميزان القوى الدولي، وتعكس مصالح الدول الخمس دائمة العضوية فى المجلس، ويأتى “الفيتو” الروسى الصينى لثلاث مرات على مشروع قرار لإدانة النظام السورى فى مجلس الامن و فرض عقوبات ضد سوريا بموجب المادة 41 من الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة ، انعكاساً لمصالح الدول فى المجلس.

يستند النظام السورى لتحالفات إقليمية ودولية ما زالت تراهن على بقائه، ومحاولة إنهاء الأزمة السورية مع الحفاظ على التوازنات الإقليمية، فضلا عن الاستغلال الناجح الفعال للنظام السورى وحتى اللحظة الانية لخشية دول الجوار من التدخل الدولى فى سوريا بحسبانه يفضى ولا محالة الى زعزعة الاستقرار الدقيق فى المنطقة، ومن شأنه أيضا أن يفتح المجال لصراعات إقليمية، فالحفاظ على الوضع القائم يتطلب تنازلات سورية، والواقعية السياسية تنحى بخيار التدخل الإنسانى الدولى جانباً، ودوما حين تتحدث السياسة تصمت حقوق الإنسان.

لقد كشفت الحالة السورية وبحق، مدي شيطانية ما يسمي “بالسياسة الواقعية ” في العلاقات الدولية، وأصبح المثال السوري يضرب للتدليل والتمثيل علي علو المصلحة الانتهازية علي المبادئ الانسانية، وسمو الاعتبارات الاستراتيجية علي القيم الاخلاقية.

الخلاصة:
إن تجريم الجرائم الدولية سواء ارتكبت فى سوريا أو أية بقعة من بقاع المعمورة مسألة تهم الإنسانية كلها، فما يصيب الآدمى من عنت واعتداء على حرمة حياته المصونة يثير مشاعر الناس أجمعين مهما تباعدت أفكاره واختلفت مللهم ومذاهبهم وأجناسهم وألوانهم.

فالحقوق الأساسية للإنسان هى حقوق متكاملة غير مجزئة، فالجميع على قدم واحد من المساواة سواء بالنسبة لحقوقهم، أو ما يصيبهم حين تنتهك هذه الحقوق.

لقد عكست الحالة السورية بجلاء ودونما أية شك نكوص المجتمع الدولى عن النهوض بمسئوليته لمكافحة الجرائم الدولية المرتكبة فى سوريا والتى تهدد السلم والأمن الدوليين، حيث توانى المجتمع الدولى ودونما أية وازع عن حماية المدنيين السوريين العزل غير المنخرطين فى القتال، وذلك لمصالح سياسية فى معظم الحالات.

لقد نكل المجتمع الدولى عن الوفاء بالتزاماته الدولية القانونية فى أن ينهض بتحمل مسئوليته فى إجبار الرئيس السورى بشار الأسد عن الكف الفورى عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المدعاة فى سائر الإقليم السورى.

أن فقدان الدول ثقتها بالتنظيم الدولى المعاصر وبمبادئ القانون الدولى ما هو إلا نتيجة طبيعية وأثر مباشر للإخلال بمبدأ العدالة والمساواة فى السيادة بين الدول، والمثال الكوزوفى عام 1999، والمثال الكردستانى عام 1991 لا يزالا يدقان ناقوس التنبيه والتذكير للظلم الإنسانى والغبن البشرى فى إعمال قواعد العدل والإنصاف وإنفاذ مبادئ المساواة والجدارة.

وختاما نذكر الرئيس السورى, بالحديث الشريف: “اذا بليتم بالمعاصى فاستتروا”, كما نذكره أيضا بأن “عثرة القدم خير من عثرة اللسان”, أما الثوار الأبطال فى سوريا فلا يسعنا إلا أن نقول لهم: “لابد لكل ليل من أخر”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد